عصمة الصحابة !!
كتبها abohabib
فالشيعة متهمون بالتجني على بعض الصحابة والسنة لا يقولون إلا بعصمة الأنبياء على خلاف بينهم في تحديد مستوى العصمة فأغلبهم على أن العصمة في التبليغ عن الله وهو فيما عدا ذلك يخطئ ويصيب حتى قال ( أنتم أعلم بشؤون دنياكم) فمن الذي يقول بعصمة الصحابة ؟!
سؤال مشروع …
ولكن الجواب أيضا مشروع فمن الحقيقي أن إخواننا أهل السنة لا يقولون صراحة بعصمة الصحابة ولكنهم يقولون بعصمتهم فعليا وعمليا :
أولا - عصمة الصحابة في التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله : تتجلى في زعمهم بأن ( كل الصحابة عدول ) فقد أنفق علماؤهم جهودا كبيرة وحميدة من أجل دراسة كل طبقات الرجال وإخضاعهم للجرح والتقييم حتى إذا وصلوا الى طبقة الصحابة وقفوا عندها وقالوا بعدالتهم جميعا أي بصحة نقلهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهم لا يجمعون في مقام العصمة للرسول الأعظم صلى الله عليه وآله إلا على العصمة في التبليغ …
ومن أمثلة اعتقادهم بعصمة ( عدالة ) جميع الصحابة أن الحاكم النيسابوري في مستدركه على الصحيحين جعل الكثيرمن الأحاديث صحيحة على شرط البخاري أو مسلم مع أن هذين الشيخين لم يرووا عن الصحابة الذين أورد عنهم لأنه يقول كباقي أهل السنة بأنه ( إن صجت نسبة الحديث الى الصحابي تصح الى رسول الله صلى الله عليه وآله)
ثانيا - عصمة الصحابة في التشريع : صحيح أن السنة قالوا ( ليس منا إلا من يرد ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر ) ولكن نظرتهم الى أفعال الصحابة على أنها كالنجوم ( أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم !!!!!!!) تجعل هناك أكثر من حق ولك أن تختار أيها وأنت مرتاح الضمير والوجدان ..
وعندما يروون الحديث الشريف ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ ) ومن ثم يفسرون الخلفاء الراشدين بالخلفاء الأربعة على ما بين اجتهاداتهم وآرائهم من تعارض كما في قضية توزيع عائدات بيت المال ( العطاء ) كقول عثمان ( عمر كان يتقرب الى الله بمنعهم وأنا أتقرب الى الله باعطائهم !!!!) أو في قضية زواج المتعة وحج المتعة وغير ذلك من الأمور …
ورغم كل هذه الاختلافات فأنت حر في اختيار ما يناسبك ما دام يصدر من صحابي !! مع إقرارهم بأنهم غير معصومين ولكنهم يتعاملون معهم بواقع الحال كمعصومين ما دام الأخذ باجتهادهم مبرئ للذمة أمام الله !!
ثالثا - عصمة الصحابة التاريخية : ولعل هذا النوع من العصمة من أشدها أثرا في الوجدان السني لأنه يجعل هذه الطبقة من الرجال وكأنها لا تسأل عما تفعل !!! فكل اقتراب من رجالاتها ومواقفهم بالنقد والتقييم الموضوعي هو خط أحمر شديد الخطورة فهم قد اجتهدوا وأصابوا أو أخطؤوا !! ( وتلك أمة قد خلت ) ولذلك لا مشكلة في أن تترضى على حجر بن عدي ومعاوية لأن كليهما مجتهد ! ولا على خالد بن الوليد ومالك بن نويرة ولا على الزبير وعمار ومعاوية وعائشة وأبي ذر وسلمان ……. فالكل نجوم
وهنا يضرب إخواننا أهل السنة بكثير من القواعد الاسلامية والعقلائية عرض الحائط فالآيات التي نزلت بالكثير من الصحابة والأحاديث المروية في صحاحهم كلها تتعارض مع اعتقاداتهم ( إنك لا تعلم ما أحدثوا بعدك ) ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ….. وكذلك فعل الصحابة أنفسهم وأقوالهم فعمر مثلا كان من أشد الناس على أبي هريرة إنكارا لأحاديثه التي يرويها عن رسول الله صلى الله عليه وآله وكذلك أنكرت عليه عائشة وغيرها مما يدل على أن الصحابة أنفسهم لم يروا أنهم طبقة من العدول وأن هذا الاعتقاد طارئ ومتأخر ومن باب أولى أنهم لم يروا لبعضهم المبررات على مواقفهم التاريخية ما داموا قد تقاتلوا وقتل منهم في حروب الصحابة أضعاف ما قتل في غزوات الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله .
فما هو الموقف الصحيح من الصحابة ؟ إنه المنطق الذي يتجلى في مدرسة أهل البيت عليهم السلام والذي يعتبرهم كبقية الناس فيهم الأبرار الصالحون الذين ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) وفيهم دون ذلك وكان منهم المنافقون الذين نزلت فيهم سورة من القرآن وآيات كثيرة وفيهم العاصون و الطائعون والنقد الموضوعي لهم ليس انتقاصا من قيمة أي منهم بل وضعا للحقيقة في نصابها .
حوار في حديث الغدير
كتبها abohabib
كان الحوار ساخنا إلا أنه بدا وكأنه يسير كالدخان في الهواء فلا يلبث إلا أن يتبدد ولا تبقى منه إلا كحة في الصدور ، وكان الجميع يدورون في حلقة مفرغة إذ أنه لم يتم وضع محاور للنقاش ولا أسس للأدلة والبراهين ….
أحسست بالإعياء الشديد وبدت لي الغرفة التي تجمعنا فيها ( حمام قطعت عنه المياه )
وقفت بصورة مفاجئة وقلت : شباب ما هذا البخل نريد شيئا باردا لنشربه …
ابتسم البعض وأراد آخرون أن يستمروا في صخبهم فقلت مبتسما ولا كلمة نريد أن نشرب شيئا …
خرج صاحب البيت لإحضار العصير ففتحت على الفور حديثا بعيدا كل البعد عن موضوع النقاش …
كنا ستة شبان ينتمي ثلاثة منا إلى الفكر السلفي وواحد سني معتدل و اثنان من الشيعة ، وقد أخذ السلفيون الثلاثة وصديقي الشيعي يتجهون نحو الشجار فكان طلب العصير في هذه اللحظة صبا للماء على النار …
ارتاحت الوجوه قليلا مع رشفات الليمون المثلج المخلوط بالنعناع وبدأت بعض القفشات تجد صداها اللطيف لتنبعث الضحكات وتتصاعد صيحات الاستحسان
ومن حديث إلى آخر جاء ذكر الملك فيصل بن عبد العزيز فقلت لهم : لقد سمعت قصة غريبة عن الملك فيصل ، فانتبهوا وقالوا : ما هي ؟
قلت لهم : يقال بأن الملك فيصل كان في رحلة صحراوية في البر قبل عام تقريبا من وفاته وقد خرج معه الكثيرون من الأمراء والحاشية وفي طريق عودتهم إلى الرياض أمر جميع السيارات أن تتوقف ونزل الجميع وتجمعوا حوله ثم بحث عن مكان مرتفع قليلا فصعده وقال لهم : أريد أن أقول لكم شيئا …فبحث بعينيه عن أخيه خالد وناداه أن يأتي إلى جانبه فأتاه فأمسك بيده وقال : إن هذا خالد أخي …
خالد نعم الرجل .
ثم نزل إلى سيارته وأمرهم بالسير …
أكملت القصة ونظرت في وجوههم ثم قلت : غريب أمر الملك فيصل كيف أوقف الناس ولم ينتظر عودتهم إلى الرياض ثم ما معنى أن يقول بأن أخاه هو أخوه وأنه نعم الرجل ..
قال أحد الحاضرين مبتسما : إنك لا تعرف الملك فيصل ….إنه الحكمة تجسدت في رجل ..
قلت : اشرح لي ذلك ، فأنا لم أفهم مغزى القصة ..
قال : أتظن بأن رجلا عاقلا يجمع الناس ليخبرهم بأمر بديهي في ظرف كهذا ؟
قلت : هذا هو ما يحيرني فعلا ..
فابتسم ابتسامة العارف الخبير وقال :
لا شك بأن الملك قد وصل إليه أن بعض الناس أو الأمراء غير راضين عن تعيين أخيه وليا للعهد ، فأراد أن يوجه إليهم رسالة في ذلك ..
قلت ولما لم ينتظر إلى الرياض ؟
قال : أظن بأنه أراد أن يعرف كل الذاهبين معه إلى الصيد بذلك فاغتنم فرصة وجودهم كلهم معه ..
قلت : ولكنه لم يشر من قريب أو بعيد إلى أمر سياسي فكل ما قاله : إن خالدا أخوه ولعل بينهم الكثير من إخوانه ، وأنه نعم الرجل ولا شك أن فيهم الكثير من الرجال النشامى ..
أجابني صاحبي ضاحكا : يبدو أنك لا تعلم لغة الإشارات ..
أجبته مبتسما : إن اللبيب من الإشارة يفهم
ضحك الجميع وقال هو : ما قصدت أن أسيء إليك ولكن المسألة واضحة والجميع سيفهم الرسالة جيدا فعندما يوقف الملك جمعا عائدا من سفر ويجمعهم وينادي أخاه ويقول مثل هذا الكلام فكلامه لا يعني إلا شيئا واحدا ..
نظرت إليه باهتمام وقلت له : وما هو هذا الشيء ؟
قال : إنه يؤكد بأن ثقته ودعمه لأخيه قوية وباقية …
قلت : أتوافقون أخانا على تحليله ..
فأجاب الجميع بأن تحليله حق ولا معنى آخر له ..
فقلت لهم : لو أنه بدل أن يأخذ يد أخيه خالد أمسك بيد أخيه فهد وقال هذا الكلام فما الذي يعنيه هذا الأمر ..
أجابني أحدهم كان خالد سيتنحى بنفسه عن ولاية العهد لأنه سيفهم بأن الملك لم يعد يريده وليا للعهد ..
قلت لهم : أريد أن أعتذر منكم أولا لأنني ألفت هذه القصة الآن ولأنه لا أصل لها ولم أسمع بها من قبل ..
تصاعدت كلماتهم وضربني أحدهم بوسادة ممازحا لأنني شددتهم إلى سماع قصة غير حقيقية ، فقلت لهم صبرا يا شباب صبرا … فإن لي غاية من وراء هذه القصة …
انتبهوا وقالوا : وما هي غايتك ؟
قلت لهم : أنتم اتفقتم على أن رجلا عاقلا و خبيرا كالملك فيصل لا يمكن أن يجمع الناس ويخطب بهم إلا لأمر هام ..
- نعم ..
- فمن الأعظم والأحكم والأكثر ذكاء : الملك فيصل أم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ..
- رسول الله طبعا ..
- حسنا فكيف يصدق عاقل أن رسول الله العائد مع الآلاف من أصحابه من حجة الوداع يوقف الناس و يجمعهم قرب غدير خم ثم يصنع لنفسه ما يشبه المنبر ويقول لهم إن الله مولاي وأنا مولى كل مؤمن فمن كنت مولاه فإن عليا مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله ثم يأتي أحدنا ليقول بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد جمع الناس وهم ألوف مؤلفة ليخبرهم بأن عليا عليه السلام أخوه أو صديقه لأن كلمة ولي لها أكثر من معنى ولا تعني حكما إمامته وخلافته !!!!
- كيف تقبلون تفسيرا كهذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ ولا ترضونه لرجل لا شك بأنه ليس نبيا ولا وليا ؟!
قال السني المعتدل : والله إن معك حق ..
فغضب أحد السلفيين الثلاثة وقال :
- هذا تضليل … هذا خداع فلو كان الأمر كما تدعي لكان السلف الصالح أولى منك بأن يفهموه .
- عزيزي لاحظ بأنك أنت من فهمت الأمر كما بينته ووافقك الجميع ..
- لقد خدعتنا وهذا ليس كذاك ..
- يا عزيزي دع عقلك يشير عليك وينير طريقك ..
- إن العقل كم أودى في المهالك ..
- صدقت لقد أودى بمن لم ينصت إليه إلى النار أودى بمن مشى على خطى أسلافه دون أن يعي أو يتدبر ..
قام السلفي مع أخويه غاضبا وقال لي :
- سآتيك بالجواب الشافي قريبا ..
وإلى اليوم لم يجبني ذلك الأخ ولعله يقرأ مدونتي فيجيب …
وأما صديقي السني فهو اليوم موال كريم يرى حق محمد وآله عليهم الصلاة والسلام .
نجاة قصاب حسن
كتبها abohabib
لا شك بأن أي إنسان لامس روح وفكر أستاذنا الكبير نجاة قصاب حسن سيقف مشدوها أمام هذا الدمشقي الغريب الذي انطوت تحت عباءته عشرات الشخصيات التي تمازجت حتى صارت نجاة قصاب حسن ، ولعل صديقه عاصي الرحباني قد أبدع عندما وصفه فقال : إن الله قد خلق نحاتا فتبقى من الطين الذي خلقه منه شيء قليل فتركه ، ثم خلق شاعرا فبقي من طينته كذلك شيء فتركه وهكذا خلق موسيقيا وأديبا وناقدا وسياسيا ومن كل هؤلاء جمع ما بقي من طين خلقهم وأبدع نجاة قصاب حسن ..
كان اسمه الذي جرت العادة على أن يكون اسما لفتاة وليس لشاب مصدر إزعاج له في طفولته ولكنه تعلم منه كيف يحول الصخر إلى رمال ، تعلم منه كيف يعطي هو بعمله للأشياء قيمتها ومعناها فأنسى الجميع أن يبتسموا كلما سمعوا اسمه وعلمهم أن ينصتوا إليه بكل احترام وتقدير .. ولأنه كان يكبرني بجيل كامل فلم أعرفه إلا الأستاذ نجاة رجل القانون والأدب والفكر …
كانت أمتع أوقاتي وأكثرها غنى تلك السويعات التي أركن بها إلى كنف هذا العاشق الدمشقي الذي يفيض كنهر عذب جمالا وحكمة وذكريات وأفكارا .
كنت قد تعرفت إلى صوته وصورته عبر إذاعة دمشق وتلفزيونها يتحدث بالقانون وهو المحامي العتيق القدير بأسلوب لا يقارب ولا يشابه أحدا من أهل القانون ، فالقانون على لسانه لم يعد نصوصا جافة بل صار روحا وجسدا يمشي على الأرض ، وكان حديثه يشد الجميع إليه و هو يخلط الخاص بالعام والقانون بالواقع والحلم .
أذكر أن مستمعا سأله مرة عن قتل خطأ نتج عن العبث بسلاح ناري فروى أنه شخصيا كان عند صديق له في مدينة دوما القريبة من دمشق في شبابه ، وكانت هناك بندقية عثمانية قديمة وضعت على الجدار كتحفة فأنزلها ليعبث بها وسأل صديقه هل تعمل هذه البندقية ؟ فأكد له أنها خربة منذ عشرات السنين ، فأمسك بها ووجهها إلى صديقه وأراد أن يمازحه بأن يتظاهر بأنه يريد إطلاق النار عليه ، ولكن يد الله منعته من ذلك فرفع البندقية إلى السقف وأطلق منها فإذا برصاصة تنقذف منها مدوية ، فتصفر وجوه الجالسين ثم يشكرون الله على لطفه ، وهنا قال أستاذنا مخاطبا المستمعين : تصوروا لو أنني صوبت تلك البندقية إلى صدر صديقي كيف كانت حالتي اليوم ربما لم أكن نجاة قصاب حسن الذي تعرفونه وربما لم أكن هنا الآن لأحدثكم ….
سمعت حديثه ذاك ولعلي كنت ابن عشر أو تزيد فلم أعبث بسلاح قط في حياتي ولم أوجه ولو سكينا إلى أحد مازحا …. وكانت برامج الأستاذ متعة لي وأنسا إلا أنه لم يكن يخطر في بالي أبدا أن ذاك الكهل الكبير سيصبح لي من الشرف يوما أن يلقبني بصديقه وأن يكتب لي ذلك …
حدث هذا عندما كنت أبحث عن محام لاستشارة قانونية فقال لي أحد معارفي سآخذك إلى مكتب الأستاذ نجاة قصاب حسن فقلت له : إن المسألة بسيطة ومحام كالأستاذ نجاة لا يمكن أن يضيع وقته فيها ، فابتسم وقال لي : تعال معي ، فأنت لا تعرفه ..
صعدت الدرج إلى مكتبه في تلك العمارة القديمة ودلفت إلى مكتب لم يكن يشبه كل ما عرفته من مكاتب المحامين فهو أقرب إلى صومعة أديب أو فنان منه إلى مكتب محام عتيد ، تطالعك فيه لوحة كتبها بخط يده الجميل ( لا تغضب فتخسر ) ووراء أكداس الكتب العربية والفرنسية وبين لوحات أهداه له أصدقاء كثيرون كان ذلك الكهل اللطيف يجلس ثم قام ليستقبلنا بابتسامة أحلى من نمورة دمشقية ، ولم تمض غير دقائق حتى سبر العجوز غوري ورأى أنني مشروع شاعر حرام أن يضيع في زحمة البيع والشراء ، كان شيئا كالخيال أن تجد نفسك وأنت الشاب الصغير صديقا لهرم دمشقي حقيقي يضم الكثير من كنوز الحياة لا من آثار الموتى …
تعددت لقاءاتنا وتنوعت ، وذهلت عندما قبل دعوتي إلى منزلي بكل تواضع ويسر ، بل وقبل أن يصحبني إلى مطعم ( أبي العز ) الدمشقي العريق ليتحلق حولنا كل عمال المطعم بل ورواده دون أن يعكر ذلك مزاجه ودون أن تفارقه ابتسامته ورقته ، وليدعوني بعدها إلى تناول الطعام معه في مطعم القنديل ( لاتيرنا ) والذي يملكه أخوه وكان مطعما غريبا تجمع فيه نخبة من المثقفين اليساريين ، وازدانت جدرانه بلوحاتهم .
أحاديثنا حلقت في كل ركن قصي وفي كل زاوية دمشقية ، كان موسوعة لا يكاد يوجد في دمشق ما لا يعرفه فهو يعرف كل خباياها وعائلاتها وأسرارها وفضائحها ، ولكنه لم يكن يشي أبدا بشيء يسيء فهو خزانة أسرار مقفلة لم يوجد من يفك طلاسمها ، وظل لا يتحدث إلا بكل جميل فدمشق معشوقته الأولى وحبه الحقيقي ، وهو يسمح لك بأن تختلف معه في كل شيء بل إنه يسر كلما اختلفت معه فنجاة لم يؤمن لحظة بأنه احتكر الحقيقة ولكن دمشق لا ينبغي عندها أن نختلف ،،،،
قلت له أما زلت يساريا ؟ ابتسم وقال في عمري هذا الحياة أقصر من أن يبقى فيها يمين ويسار ….والله ؟ ! محبة لا تنتهي …. وقال لي انظر إلى هذا الخط الطويل الممتد في توقيعك وكأنه يسير إلى اللانهاية …. تأملت في توقيعي وكأنني أراه للمرة الأولى فقال لي : ( أنت أللاوي ) ، وصمت برهة ثم قال : ليتك تظل هكذا .
كان صوفيا إن رأيته من إحدى زواياه ، وماديا إن قلبته من وجه آخر ، مثاليا من زاوية ومنفلتا من أخرى ، منغلقا من مكان ، ومنفتحا من جانب آخر …
عجيب أمره كأنما أراد أن يعكس صورة دمشق على روحه حيث يلتقي السهل والجبل والغوطة والصحراء والماء والجفاف ، والمحراب والمذبح …والدراويش والتجار ..
لم يكن يحمل أي حقد فقد مرت سيرة رجل أعمال سيء الصيت يوما فابتسم وتذكر أن له مواقف ( زكرتيه ) فلم يكن نجاة يذكر إلا أجمل الخصال في كل امرئ عرفه .
و لعل من أحلى صفاته أن كلمة الحق لديه كانت أقدس من أي شيء وإن غلفها برقته ولطفه دون أن يناور أو يراوغ فيها ، ففي وقت كان الناس يخشون انتقاد السلطة لم يكن يخشى أن ينتقد علنا أعلى مقام سياسي في الدولة ما دام انتقاده يصب في مصلحة الناس،
وكنت مرة قد وقعت في خلاف مع منظمة حكومية وظننت أن حقي معها قد يضيع ولكنه أصر على أن يعيد حقي كاملا دون أن تنقص منه ليرة واحدة وقد صار ما أراد وسط ذهول الكثيرين من أني آخذ حقي من ( الدولة ) بالقانون ودون أن أدفع رشوة أو أسخر ( واسطة ) .
وبلغ من حرصه على أن يأخذ المواطن حقه أنني أخبرته بأن رجل أمن صادر مني كتابا عندما كنت قادما من لبنان إلى دمشق فغضب وقال : ليس ذلك من حقه سأرفع دعوى ضدهم وأسترد الكتاب ، فقلت له : بأن القضية لا تستحق والكتاب لا يساوي أكثر من عشرة دولارات ، ولكنه أصر ، وقال لي : عندما تعود إلى الحدود طالبهم بإيصال وإن رفضوا فدعهم لي ، ولما ذهبت إلى الحدود فتشت عن رجل الأمن وقلت له أريد إيصالا بالكتاب الذي صادرته مني ، فقال : حقك ، ولكن لماذا ؟ قلت سأرفع عليكم دعوى … قال ومن المحامي الذي سيرفع دعوى من أجل كتاب ؟ قلت الأستاذ نجاة …..فقال خذ كتابك والله معك وسلم لنا عليه …
فعدت إليه ضاحكا وأخبرته بما حصل فقال : مشكلة مواطنينا أنهم لا يعرفون حقوقهم وهذا ما يجعل ضعاف النفوس يستغلون الناس ، ولو عرف كل مواطن حقه ورفض أن يتنازل عنه لكنا أفضل شعوب الأرض .
وشدة الأستاذ نجاة في إنصاف موكليه تجتمع مع ميله إلى حل أية قضية تواجهه بالصلح فهو يعتقد بأن القضاء يئن تحت سيل جارف من القضايا وأن واجب المحامين أن يصلحوا بين الخصوم لا أن يقذفوا بهم إلى أتون المحاكم ، وقد كان لي خلاف تجاري وكان يعلم أن حقي مؤكد واضح ولكنه آثر أن يجتمع مع الخصم ومحاميه وتم الاجتماع في مكتبي ولم تنقض أكثر من ساعة إلا والخلاف قد ذاب والقضية قد سويت وقد عجبت يومها لشدة تواضعه واحترامه لزملائه فقد كان محامي الخصم شابا والأستاذ نجاة له بمثابة الأب أو الأستاذ ولكن هذا لم يمنعه من التعامل معه بندية واحترام ومع الخصم بتفهم وحنو ، فنجاة المحامي إنسان ومصلح ورجل يمشي ووراءه من الخبرات والمعارف سنوات تمتد إلى بعيد .
ونجاة في تقبله للآخر المختلف آية في الانفتاح مع اعتزازه الشديد بوطنه ومدينته وفكره ، فاحترامه للآخر غيض من فيض حبه وتوازنه الروحي العميق ، فهو الوطني الكبير الذي يرفض ذكر اسم جنرال فرنسي أجرم في حق دمشق وكان اسمه يطلق على إحدى ساحاتها ثم تغير إلى اسم آخر بعد الاستقلال ، ولكنه ينهل بشوق من كل فكر وكل حضارة والفرنسية تنساب على شفتيه عذبة رقيقة ( لأن للحب آلاف اللغات ) .
والآخر كان عنده دائما حاضرا وكأنه منه فحكمته جعلته لا يرى في الآخر إلا إنسانا مثله ولكن المتعصب في فكره شكل لأقبح ما في الكون وإن كان قريبا منه في جنس أو لون أو دين
وقد تحدثت معه طويلا عن رحلتي إلى فكر ومدرسة أهل البيت عليهم السلام ، فأنصت بحب واحترام وقال لي بهدوء : لو أن التشيع كان صبغة غالبية المسلمين لكان للتاريخ شأن آخر ، فالإمام علي ( عليه السلام ) يمثل أنقى ما في الإسلام ومن المؤسف أن الإسلام اليوم في معظمه نسخة أموية لا تعكس روحه ولا عمقه .
ذاك نجاة قصاب حسن في صور قصيرة من ذكرياتي معه وليت إذاعة دمشق تعود إلى ارثه الضخم وتعيد إذاعته فإن صوته أعذب من أن ينسى وأخلد من أن يذوب …
حرف القاف
كتبها abohabib
لا بد لي أن أشكر أخي الغالي أبو السمر النمر لأنه ذكرني بهذا المقال الذي كنت قد كتبته منذ زمن ، فلما قرأت مدونته الجميلة أردت أن أستعيد مقالي وأن أضيفه إلى مدونتي .
حرف القاف حرف عجيب غريب فهو هوية مميزة للناطقين به تشي ببلدانهم ومناطقهم والكثير عنهم …..
وفي كل بلد ناطق بالقاف للقاف قصة وحكاية ولعل أهم قصصه في سوريا لأنه أصبح الحرف الذي يدل على الانتماء للساحل إذا نطقت به مدويا مجلجلا ولذلك فهو يستخدم في مجال الحرب النفسية على البسطاء لأن الناطق به لا بد أن يكون عاملا في أحد فروع الأمن ، دون أن يدري بسطاء المدن بأن أولئك القادمين من الساحل أكثر ( تعتيرا ) منهم وهم إنما يتمترسون وراء القاف ليكتسبوا شيئا من مكانة و أهمية تعوض فقرهم و ظروفهم السيئة ، حتى إذا وقفوا على أرجلهم وانضموا إلى طبقة أعلى بمستواها المادي تتأتأت قافاتهم وصاروا من أولي الهمزة المدنية ورأيتهم يستخدمون الهمزة حيث لا يستخدمها الدمشقيون ، فأنا لم أسمع يوما بدمشقي يقول ( ثآفة ) عن الثقافة ولكني سمعت زميلة لي في جامعة دمشق تقولها فعجبت لأنها ليست من حلب فإذا هي من قرية قرب جبلة ، ولكن الله فتح على أبيها من واسع فصار عليها أن تنتقل من القاف إلى الآف .
ولا ينفرد أهل الساحل السوري بهذه القاف فلأبناء جبل العرب من بني معروف قاف ليست لغيرهم وأنا أزعم بأنها أجمل قاف سمعتها ، كما لأن لبعض المناطق في ريف دمشق قافها .
وقد أكثر الدمشقيون من التهكم على الناطقين بالقاف كوصفهم لمن ينطق بها بأنه ( يقاقي ) أو تقليدهم في طريقة النطق بكلمة ( قرد ) إلى ابتداع العديد من النكات عنهم كالنكتة التي تقول بأن ساحليا اجتمع على العشاء مع شامي وكان العشاء فروجا ( ديك مشوي ) فقال الساحلي أنا آكل كل ما فيه قاف وأنت تأكل الباقي ، فقال الشامي اتفقنا ، فقال الساحلي : رقبة والتهمها ، ساق وأخذ الفخذين ، قفص صدري وأخذ الصدر فقال له الشامي : قل إنك تريد أن تأكل القروج وخلصنا .
ومن نكاتهم أن حمصيا راح إلى الجيش فوجد أن الضابط ساحلي يراعي أبناء الساحل على حساب أهل المدن فلما سأله عن اسمه قال : قحمد ، لأنه كان أحمد .
وإذا كانت الهمزة تبدو للبعض أكثر رقة من القاف ( المفلحة ) فإن أسوأ من نطق بالقاف هم من جعلوها كافا لأنهم ( أرك ) من أن يشوهوا بها شفاههم ( الركيكة ) إن اضطروا للكلام بالعربية الفصحى حيث لا يمكنهم أن يقلبوها إلى همزة فلجؤوا إلى الكاف مضطرين ليظهروا كم هم لطفاء وناعمون فالكاف حرف تسمعه بالفرنسية وأما القاف فحرف عربي ( مشرشح ) لا يليق بهم وهذا لا ينطبق على بعض الإخوة الفلسطينيين الذين يقلبون القاف إلى كاف لأنها لهجتهم .
وإذا كنا في بلاد الشام قد شوهنا حرف القاف الجميل فجعلناه همزة وكافا فإن البدو جعلوه جيما خرساء ( مصرية ) والحضارم اليمنيون ينطقون القاف جيما خرساء حتى عندما يقرؤون العربية الفصحى وتميز اليمنيون الشماليون واليفع بقاف أكثر جلجلة من قاف الساحل السوري ، كما أن لأهل المغرب العربي قافهم الجميلة ، وربما صارت القاف جيما عادية في بعض الكلمات العراقية كجاسم بدلا من قاسم …
وأغرب ما سمعته في القاف أن الإيرانيين قلبوها إلى غين في بعض الكلمات كقولهم آغا ( سيد ) وهي عندهم ( آقا ) وفي إيران مدينة اسمها ( مازندران ) يقلب أهلها القاف غينا والغين قافا وقد قيل لرجل من مازندران : إنكم تقلبون القاف غينا والغين قافا فقال : أستقفر الله من غال هذا ؟
كبرت اليوم يا أبتي !
كتبها abohabib
|
كبرتُ اليوم يا أبتي ! أيها الرجل مهما اشتد عودك ، وعظم شأنك ومهما ضربت في العمر سنيا حتى خط الشيب بقلمه الأبيض كلمات على رأسك وحفر الدهر بأقلامه القاسية خطوطا على جبينك …أنت ما زلت طفلا ! |