من قتل الحسين عليه السلام
كتبها abohabib
ارتبط ذكر الحسين عليه السلام بطفولتي المبكرة حيث كنت أقيم في حي دمشقي عتيق إلى جوار الجامع الأموي الكبير وكانت أحلى ذكرياتي مرتبطة بهذا المسجد البهي ذي الساحة الكبيرة التي كنا نتراكض فيها ونلعب مع أسراب حمام الجامع …ولأن خدم الجامع ( الحسكية ) كانوا يمنعون الأطفال من دخوله إلم يكونوا برفقة آبائهم لكي لا يمتلئ المسجد بصراخهم وضجيجهم ، فقد كان علي أن أقنع جدتي أم هاشم رحمها الله بمرافقتي إلى المسجد لأتمكن من اللعب مع الحمام …كانت جدتي من أصل مغربي استوطن أبوها دمشق مع أعداد كبيرة من المغاربة الذين استوطنوا سوريا أيام الاستعمار الفرنسي ، وقد احتفظت رحمها الله بنفس صوفي عذب تجلى في حب آل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله بل في عشقهم .كانت تمسك بيدي الصغيرة وتمشي الهوينى إلى أن نصل إلى باب النوفرة فتصعد الدرجات المؤدية إلى الجامع ببطء عجوز متعبة في الوقت الذي أكون فيه راغبا في القفز ثلاثا ثلاثا ، ولكن علي أن أمسك بيدها جيدا وأن أتصنع الوقار لكي أفلت من أنظار ( الحسكي ) ذي العصا …أدخل صحن الجامع الرحب المزين بلوحات الفسيفساء الرائعة التي تصور الجنة أو تصور الشام أي جنة الأرض …فيستقبلني الحمام بهديل أسرابه وأخالني أطير إليه وقد أفلت يد جدتي المسكينة بسرعة تكاد توقعها بينما تنادي انتظر انتظر …. وتعطيني كيسا ورقيا أحضرت فيه قمحا لكي أنثره للحمام فتهبط أسرابه لتلتقطه وتعود إلى السماء من جديد …وكانت أم هاشم تنتظر بحب وصبر الجدات انتهاء لعبي الذي لا يكاد ينتهي لكي تمسك بيدي من جديد وتقول لي تعال نسلم على سيدنا يحيى وسيدنا الحسين …كان مقام نبي الله يحيى عليه السلام يتوسط المصلى وقد تحلق حوله عدد من المشايخ المكفوفين الذين يقرؤون الموالد مقابل شيء يسير من الصدقات وكنت أنظر إلى مقامه المهيب الذي ازدان باللون الأخضر بحب واحترام وأضع خدي على قفص الضريح وألثمه وأقرأ الفاتحة ..ثم آخذ ليرة من جدتي وأعطيها لأحد المكفوفين فيبدأ بالقراءة والدعاء ..وبعد أن تصلي جدتي وتقرأ من القرآن والأدعية ما تيسر لها … تأخذ بيدي ثانية لنخرج من المصلى إلى ساحة الجامع من جديد فيعاودني الشوق إلى اللعب ولكنها تمنعني وتقول بأنها لن تصحبني ثانية إذا عاودت اللعب فأذعن على مضض وأرافقها مختلسا لحيظات من اللعب تغض الطرف عنها إلى الزاوية الشمالية الشرقية من الجامع حيث يوجد باب مفتوح تعلوه لوحة كتب عليها ( مقام رأس سيدنا الحسين ) ….كان لهذا الركن من الجامع مهابة وخصوصية تضرب جذورها في أعماقي إلى اليوم كنت أدخل إلى المقام هادئا وقورا كأشد ما يمكن لطفل أن يكون كذلك …أقترب من طاقة صغيرة في الجدار أقبلها وأرفع قامتي أكثر لكي أطل على الضريح الجليل باحثا عن مكان رأس الحسين عليه السلام … وأنا أسرح في خيالاتي وأفكاري بينما أقرأ الفاتحة والمعوذتين لأن الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله كان يقرأ المعوذتين للحسن والحسين عليهما السلام …كما قالت جدتي …وكنت أتخيل الحسين في عمري لأنها قالت لي بأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة ولما كنت أراني شابا صغيرا فلا بد أن الحسين عليه السلام كان في مثل عمري ، ولكني عندما تهجيت أسماء الأئمة الإثني عشر الذين ازدانت بأسمائهم قبة الضريح ما كنت أعرف منهم إلا عليا والحسن والحسين عليهم السلام فلما سألتها عن الباقين قالت لي بأنهم أولاد الحسين عليه السلام فعلمت بأنه كان أكبر مني …سألت جدتي عمن قتل الحسين فقالت لي بأنهم الكفار وكان لكلمة الكفار معنى واحدا في مخيلتي هو أنهم اليهود الذين يقاتلهم أبي على الجبهة السورية مع فلسطين المحتلة …بقيت على اعتقادي بأن اليهود هم من قتل الحسين عليه السلام سنينا إلى أن تعرفت يوما على سلسلة روايات تاريخية كتبها جرجي زيدان تحت اسم روايات تاريخ الإسلام وكان أحد أجزائها يحمل اسم غادة كربلاء ….قرأت الرواية بعاطفة فتى صغير وسكبت فيها من الدموع أكثر مما سكب كاتبها من الحبر ، وذهلت لما رأيت فيها من أن قتلة الحسين عليه السلام لم يكونوا يهودا !سألت أهلي وأساتذتي في المدرسة وإمام المسجد فتراوحت الإجابات بين من يقول وكيف تصدق في تاريخ الإسلام من ليس مسلما ! وآخر يقول : تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يفعلون وآخر يقول : العن يزيد ولا تزيد ! وسألته ما معنى العن يزيد ولا تزيد فقال : العنه ولا تلعن أباه لأنه معاوية كاتب الوحي !وآخر يقول : لقد أراد يزيد أن يجبر الحسين على البيعة ولم يرد قتله ولكن أحد الجنود قتله فحزن يزيد عليه كثيرا !!!لم أقتنع بأي رد مما ذكر لي وعلمت بأن الحقيقة غير ذلك ولم يكن أمامي غير أن أتجه إلى المكتبة الظاهرية القريبة من منزلي وأن أنقب في كنوزها عن الحقيقة التائهة ….لأبدأ بمعرفة أن صحابة كمعاوية وأم المؤمنين عائشة قد قاتلوا عليا عليه السلام وأن ابن معاوية يزيد وجيش عمر بن سعد بن أبي وقاص قد قتلوا حفيد رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته وأصحابه بل وسبوا نساءه …علمت أن الطفلة رقية بنت الحسين عليهما السلام والتي كنت أتردد على مقامها كلما ذهبت إلى حي العمارة القريب وأشرب الماء وأقرأ لها الفاتحة علمت بأنها قد ماتت على رأس أبيها الذي حمل من كربلاء إلى الشام في موكب سبايا آل محمد ..كانت صدمة كبيرة تلقاها فتى صغير لم يكن ليتخيل أن صحابيا يمكن أن يحارب عليا وأن تابعيا يمكن أن يقتل الحسين !!وكم ينتظرك من الصدمات يا فتى ؟!