البيت الشامي
كتبها abohabib
كلكم رأى البيت الشامي التقليدي عبر المسلسلات السورية الشعبية ولكن كم نقلت هذه المسلسلات من جمال وحميمية هذا البيت العريق الدافئ ؟ صدقوني إنها لم تنقل إلا القليل ..
فأن تعيش في بيت شامي تجربة أكثر من رائعة وأجمل من أن تعبر عنها سطور أو قصائد ولو كانت قصائد دمشقي كنزار القباني
لأن البيت الدمشقي أسطورة حب وحنان …..
عندما تنظر الى البيت الشامي من خارجه ستجد بابا متواضعا لا يميزه عن بقية البيوت في الحي فكل الأبواب متشابهة أبواب الأغنياء والفقراء أبواب القصور والدور ولن تظن أن وراء هذه الأبواب البسيطة جنة صغيرة على الأرض !!
ولكن بيوت دمشق كحسانها المتلحفات بالحجاب ظاهرهن لا ينبئ عن مكنونهن الغني البهي …
فإذا ما دلفت الى البيت الدمشقي وقع نظرك على حديقة غناء صغيرة فيها أشجار الليمون والكباد والنارنج … وأحواض الورود وأشجار الياسمين …. فأنت هنا في ( أرض الديار ) التي تتوسطها البحرة ذات النافورة والتي تصب فيها الأسود النحاسية ماء دمشق الزلال ليل نهار …. وقد أحيطت البحرة بأنواع عديدة من الورود والأزهار من كل الأشكال والألوان ..
ولعل هذه الحديقة الدمشقية أكثر ما يميز البيت الشامي عن غيره من البيوت فالبيوت الغربية تجعل حدائقها خارجها فترمي بها الى العيون والفضوليين وأما بيوت الشام فباطنية الهوى والجمال محجبة المحاسن خفية السحر … حديقتها داخلها وزينتها في أعماقها …
ومن أرض الديار ستدلف الى ايوان بلا أبواب وله سقف وفيه الأرائك الوثيرة لتجلس فيه وأنت تنعم بالنظر الى الأشجار وتستمع الى زقزقة العصافير وهديل الحمام الدمشقي الطيب ( الستاتي ) الذي يعيش رغدا هانئا في كل البيوت …
ومن الإيوان تدخل الى القاعة وهي الصالة الرئيسية في البيت عالية السقف بهية الزخارف سقفها من الفسيفساء أو من الخشب المعشق المشغول ببديع صنع الصانعين المهرة … وزجاجها ملون متناغم ساحر …
وفيها الأبواب الخشبية الفتانة التي تخفي وراءها خزنا وأدراجا …
وفرش القاعة مشغول بالموزاييك الدمشقي ومغطى بحرير الشام ( الداماسكس ) وتجد سجاد فارس أو سجادة سورية يدوية كبيرة تفترش الأرض بحنو ودلال ….
وغرف استقبال السيدات تمتلئ بمشغولاتهن اليدوية البديعة فالمرأة الشامية لا تعادلها امرأة ببراعتها وكثرة الأشياء التي تتقنها وتتفنن بها …. ولا تنسى خزانة ( الصيني ) التي تضم التحف الزجاجية التي تأتي بها العروس يوم عرسها من بيت أهلها الى بيت زوجها وهي عادة من التحف الصينية القديمة المتوارثة …
في حين تزدان غرف الرجال بالأسلحة القديمة كالسيوف الدمشقية والخناجر والبنادق القديمة …
وفي كل الغرف تتصدر آية قرآنية كريمة أفضل جدرانها وغالبا ما تكون آية الكرسي إضافة الى صور الآباء والأجداد باطاراتها القديمة العتيقة ..
ولا ننسى أن أرض البيت تكون عادة من الأحجار الطبيعية الملونة فالحجر مادة البناء الأساسية في البيت الشامي ولذلك تجده دافئا في الشتاء ولطيفا باردا في الصيف ….
ولتذهب الى غرف النوم لا بد من أن تصعد الدرج الحجري الى الدور الثاني الذي يضم إضافة الى غرف النوم ( مشرقة )
وهي ما يشبه البلكون أو الفيرندا في البيوت الحديثة وإن كانت أرحب وأجمل وهي تطل من خلال الدرابزين على الدور الأرضي و حديقته …. والكثيرون يحبون النوم فيها صيفا لكي ينعموا بلذة أنسام الليل الرقيقة …
وأما السطح فلا يمكن للرجال أن يصعدوه إلا بعد أن يحدثوا الأصوات العالية ( يا الله يا الله ) لكي ينبهوا الجارات الى أنهم سيصعدون السطح فيبادرن الى الاختباء أو الى وضع الحجاب …. والسطح لعلوه سحر آخر حيث ترنو منه الى دمشق القديمة بمآذنها وقبابها وكنائسها وبيوتها ….. وقد تصدر المنظر قاسيون الجميل وبيوته التي زينته كسجادة كبيرة
حتى لم تبق منه عاريا الا رأس الجبل …..
أصدقائي لعلي نقلت لكم شيئا من سحر الشام وبيوتها فأهلا بكم في دمشق وأهلا بكم في بيوتنا التي تحب ضيوفنا وتعشقهم .
7 تعليقات على “البيت الشامي”
أضف رداً على هذا الموضوع
آذار 18th, 2008 في 4:36 مسائاً
وأنا أقرأ مقالتك في مكتبي الصغير الكئيب، بدأت أشتم رائحة الياسمين وأرى أشجار الليمون والنارنج وأسمع لهاث المياه في نافورة (أرض الديار).. فشكراً لأنك أخرجتني من هذا الاسمنت الذي كاد يطبق علي إلى (أسطورة الحب والحنان)…..
آذار 19th, 2008 في 12:28 صباحاً
إن أجمل ما في تلك البيوت هو حميمية سكانها
آذار 19th, 2008 في 11:44 مسائاً
أخيتي …إن الياسمين والتفاح والعناقيد تسيل في عروق الدمشقيين ..
كما قال نزار ، فعندما يأسرك الاسمنت وتحاصرك الجدران …
عودي إلى داخلك و أخرجي أطواق الياسمين وعناقيد العنب وثمار النارنج وقولي : الله …
آذار 20th, 2008 في 10:54 صباحاً
وإن عدت إلى نفسي فوجدت الإسمنت يعشعش في خلاياها بقسوة تشبه قسوة حاضري ..
ورأيت فيها حزن من يتأسف على ماض ما بيده أن يعيده، ويتحسر على أحبة سرقتهم الغربة وعشق أماته الإسمنت وقتل ياسمينة الحب التي كانت تعطره
فماذا أفعل؟
آذار 20th, 2008 في 2:52 مسائاً
أخيتي …
ما تحت الرماد إلا جمر الحب والأمل …
فانفضي رماد وحدتك ، وغبار أحزانك ، وثقي بأن الإسمنت لا يمكن أن يعلق في خلايا المحبين لأن ما ينفع الناس يمكث في الأرض ، وأما غبار الحزن فيطير مع أنسام الأمل …
( وقد يكون الأمس حلوا إنما الحاضر أحلى ) والغد أحلى وأحلى …
أنظري إلى الجمال الذي ما زال في الأرض والسماء …
وقولي رب أرني جمالك ، و عرفني جلالك ، وأسبغ علي نعماءك ..
نيسان 8th, 2008 في 10:00 مسائاً
اللـــــــــــه ما أجمل هذه الأجواء التي نقلتنا اليها على اثير الخيال اخي ابو حبيب …
للحظات شعرت أنني في عالمٍ آخرٍ بعيدٍ ينضح بالخير و الجمال ، في زمن غير هذا ، حيث لا قسوة ولاظلم و لاحروب …
نيسان 9th, 2008 في 1:54 مسائاً
السلام في داخلنا أختي هناء …
والحب والدفء والحنان في أعماقنا …
فكلما قست الأيام عدنا إلى ذكريات رائعة وأحلام عتيقة ..
وتدثرنا بها لنحمي قلوبنا الرقيقة وأرواحنا الشفافة من أن تمتلأ بصدأ الواقع الصعب ..